خطواتٌ أقلّ وأثرٌ أكبر… ورشة «تصفير البيروقراطية: من الروتين التقليدي إلى الإنجاز الذكي»

ثمّة سؤال بسيط يختبئ خلف كل معاملة متعثّرة وكل ملف ينتظر توقيعًا: هل نحتاج حقًّا إلى كل هذه الخطوات؟ من هذا السؤال انطلقت ورشة «تصفير البيروقراطية: من الروتين التقليدي إلى الإنجاز الذكي»، التي احتضنتها المدينة الجامعية بالشارقة اليوم، وخصّصتها لموظفيها. وقدّمها عبد الله القلاف، رئيس قسم تقنية المعلومات في المدينة الجامعية بالشارقة، وكأن الدعوة إلى التبسيط تأتي من القسم الأقرب إلى أدوات التحوّل الرقمي، والأدرى بقدرتها على اختصار المسافات بين الفكرة والإنجاز.

بكلمة واحدة، طُلب من الحاضرين أن يصفوا البيروقراطية كما يعيشونها في أقسامهم، قبل أن يُكشف لهم تعريفها: أسلوب إداري يقوم على هيكل هرمي وتوزيع دقيق للمسؤوليات، غايته التنظيم، لكنه ينتهي في كثير من الأحيان إلى روتين يثقل الحركة ويبطئ الخطى. وفي المقابل، برز مفهوم «التصفير» توجّهًا حديثًا لا يكتفي بتجميل الإجراءات المعقّدة، بل يقتلعها من جذورها، وفق قاعدة لخّصت فلسفة اللقاء كلّه: «لا تُرقّمِ التعقيد… بل ألغِه».

ليس التبسيط ترفًا إداريًا، بل ضرورة تفرضها المنافسة، ويستدعيها حقّ المتعامل والموظف في تجربة خدمة مرنة وكفؤة. ومن هنا تتحدّد الغايات: إجراءات أقل تعقيدًا، ووقت أقصر، وتحوّل رقمي أسرع، واهتمام يتمحور حول متلقّي الخدمة. أما الثمار فتتوزّع على الجميع؛ فالمؤسسة تجني الريادة وصورة ذهنية راقية، والقسم يحصد السرعة والجودة، والموظف يستعيد وقته ليصرفه فيما يصنع القيمة.

غير أن العلاج يسبقه التشخيص. لذلك توقّف القلاف عند علامات تنذر بوجود الخلل: أعمال تتكدّس بلا إنجاز، وموافقات تتعدّد مستوياتها، وبطء لا مبرّر له، ومُدد تُتجاوز، ومشكلات تعود رغم معالجتها. ثم رسم خمسة أبعاد يُقاس بها نجاح التحوّل، هي الثبات والاستجابة والضمان والتعاطف وملاءمة البيئة والمرافق، مستعينًا بنموذج يمرّ بثلاث محطات: إذابة الجمود، فالتغيير، فإعادة التجميد، ومذكّرًا بأن أي قرار يحتاج أولًا إلى موازنة متأنّية بين المكاسب والتكاليف.

عند هذه النقطة غادر النقاش فضاء النظرية إلى أرض الواقع. خمسة أسئلة ينبغي طرحها قبل المضيّ في أي إجراء، أولها تحديد الهدف وآخرها رسم استراتيجية التنفيذ. ثم مهام عملية يُشرع فيها هذا الأسبوع: على رئيس القسم أن يرسم خريطة إجراءاته، ويحذف ما زاد منها، ويقرّب القرار من موقع التنفيذ. وعلى الموظف أن يراجع مهامه المتكررة، ويستبدل الورق بالرقمي، ويقترح كل شهر فكرة للتبسيط. واكتمل المشهد باستعراض مهارات المؤسسة المتجددة: القيادية والإدارية والإنسانية والشخصية والتكنولوجية، قبل الختام بالتجربة الإماراتية نموذجًا مرجعيًا ملهمًا.

هكذا غادر موظفو المدينة الجامعية القاعة بقناعة تتجاوز حدودها: كل خطوة تُختصر وقتٌ يُستعاد، وكل إجراء يُبسَّط ثقةٌ تُبنى. فالمؤسسات العظيمة لا تُقاس بسماكة ملفاتها، بل بعمق أثرها في حياة من تخدمهم.